وطنية لا مناطقية مدنية لا قروية

سعيد النخعي

العصبية المناطقية أو المذهبية أو العرقية ظاهرة اجتماعية عامة في المجتمع العربي برمته، لا تقتصر على الجنوب ، أو اليمن ، أو دولة عربية بذاتها ، بل واقعًا عربيـًا عامًا تداخلت فيه العوامل الاجتماعية بالسياسية،بسبب فشل الأنظمة العربية في الانتقال من طور العشيرة إلى طور الدولة،لذا مَثَّلَ هذا الموروث الاجتماعي والثقافي أبرز الموانع والمعوقات التي حالت دون أن يصل العرب للدولة المدنية،التي تتعامل مع أفراد المجتمع وليس مع مكوناته الاجتماعية أو الدينية أوالعرقية أوالمذهبية أو الجهوية،وخير من شخَّص هذه الظاهرة ، وشرح أسبابها ،عالم الاجتماع العراقي الكبير الدكتور علي الوردي في كتابه طبيعة المجتمع العراقي ،الذي يتألف من سبعة أجزاء، معتبرًا النموذج العراقي نموذجًا عامـًا لتوصيف الحالة العربية برمتها،باعتبار العوامل والأسباب واحدة .

لذا فالمعضلة تحتاج بحثًا علميًا،يحدد أسبابها،ويشخص عللها،ويبيَّن خطرها،وليس خطابًا سياسيًا وعظيًا مضللًا،لا يهتم بمعالجتها ،بقدر ما يحرص على توظيفها والاستفادة منها.

لذا فأن الخطاب السياسي العقلاني المتزن هو الذي يصف الظاهرة كما هي،ثم الاعتراف بها،ثم الانتقال إلى معالجة أسبابها،وبيان خطرها في تمزيق النسيج الاجتماعي ،ومنبعـًا دائمًا للصراع ،وليس بإقناع الناس بها كأمر واقعا ،أو إنكارها ، أو الهروب من مواجهتها، ولكي أٔقرِّب المسألة أكثر ،حتى لا يفهم طيفًا معينًا أنه المعني وحده بها،أو المتهم الوحيد بممارستها،امعن النظر في القبيلة الواحدة،ولتكن قبيلتك الذي أنت أحد أفرادها، أومنطقتك التي تعيش فيها ،أو مديريتك،أو محافظتك التي تنتمي إليها، وستجد ذلك ماثلًا أمام ناظريك بصورة مصغرة ،ثم اسقط هذا التنافس المذموم على المكونات الأكبر التي يتألف منها الجنوب أو اليمن أو غيرها من البلدان العربية،وستجد الأسباب واحدة،والنتيجة واحدة،والحكم واحدًا ،لأن الحكم يدور مع علته كما يقول الفقهاء ، فلا تأخذنا العزة بالإثم،فنضطر لتغطية عين الشمس بغربال ، فننكر واقعـًا نراه بأعيننا، ونلمسه في سلوكنا،ودوافعنا،وغاياتنا، وأهدافنا، فبدلًا من هروبنا إلى الإمام بإنكاره ،أوتبريره ،أو التماس العذر لمن يقوم به ، فالأجدر بنا مواجهته ، ورفضه ، ومعالجة أسبابه ، التي لن تفضي بنا إلا إلى النتيحة الكارثية التي نعلمها في كل مرة . 

لذا كان الاعتراف بالذنب شجاعة ، والعدول عن الخطأ حكمة، والاعتذار رفعة .


مرَّت أوروبا بحربين عالميتين التهمت مئة مليون إنسانًا، ودمرَّت مقدرات العالم بأسره،لكن حين فطن الأوربيون للأسباب، ووقفوا على حقيقة النتائج ،واجهوا هذا الواقع ،وبدأ الجميع بنزع فتيله،فتنازل الأريون - الجنس الألماني- عن هوس عظمة العرق،وكبحوا جماح ما نتج عن هذه الفلسفة من أطماع، فقبل الألمان كل شروط معاهدة فرساي لإنهاء الحرب العالمية الثانية، التي قد تبدو مذلة مجحفة في نظر الذات العربية المنتفشة الممتلئ فراغ تجويفها بالاعتداد الكاذب بالنفس، ومع ذلك رضخ الألمان لشروط الحلفاء ، وهم في أشد مراحل ضعفهم،حين احتكموا للواقع، وتعاملوا مع الحقيقة كما هي، وتخلَّوا عن ثقافة الانتفاش الكاذب ،وأوهام فلسفة الاعتداد بالعرق فجعلت المانيا من اعترافها بهزيمتها عاملًا لنهوضها ،وليس سببًا لسقوطها .

لذا بات لزامًا علينا أن نقف على حقيقة واقعنا ، ومواجهته كما هو،لننزع فتيل فتنته التي ستحرقنا جميعًا ،والحد من خطره الذي لن ينجو منه أحد منا .

وهذا لن يأتي إلا من خلال ترشيد خطابنا،والاستماع للعقلاء من كل طرف ،ولجم أفواه السفهاء في كل طرف .


سعيد النخعي 

دثينة 13/أغسطس/ 2019م