الرئيس علي ناصر محمد يكتب..رحيل قيثارة الغناء اللحجي

بعد رحلة عطاءٍ طويل استمر أكثر من ستين عاماً في عالم الطرب والغناء، منذ ظهوره لأول مرة في دوحة الفن لحج الخضيرة، ورحلة عناء وتعب ومعاناة شديدة مع المرض في السنوات الأخيرة، وإهمال وتجاهل، انتقل قيثارة الغناء اللحجي الأصيل عبد الكريم توفيق إلى رحمة الله  وجوار ربه، فكان أرحم به سبحانه وتعالى من الجحود والنكران اللذين تعرض لهما خلال سنوات مرضه الأخيرة من الحكومة المهتمة بالحروب والإثراء منها على حساب الشعب ورموزه الوطنية والثقافية والفنية!! وهذه إحدى نتائج الحروب الوخيمة والكارثية، حيث تكون الأخلاق والقيم أول من يسقط، ويكون الناس أول من يتجرع مآسي هذا السقوط!! فيصلون الى المقبرة قبل أن يحصلوا على العلاج والرعاية المناسبة.

ينقسم  الغناء في اليمن إلى أربع أنهرٍ أو ألوان بحسب الباحثين. ثلاثٌ منها جنوبية هي:  اللحجي والحضرمي واليافعي. وما عدا ذلك هي فروع تنبع أو تتفرع من هذه الأنهر الأربعة. وكان المغفور له عبد الكريم توفيق، بحكم المولد والنشأة والميراث، ينتمي إلى المدرسة اللحجية أو لون الغناء اللحجي الأصيل. حافظ عليه ولم يخرج عنه وعن أصوله، وكان سبب ظهوره وشهرته وحب الناس له. كما استطاع أن يحتفظ بمكانة خاصة به بين الفنانين والنجوم الذين ظهروا معه وبعده لما يتمتع به من صوت أوبورالي في الغناء، والتزام بفن الغناء اللحجي. فلم يختفِ أو يتوارى في الظل كما حصل لغيره، أو يحاكي نماذج أخرى بحثاً عن الشهرة والاستمرار، فحاز على المكانة التي يستحقها من الشهرة طوال عقود حتى عندما باتت مكانته مهددة بظهور فنانين آخرين من نفس المدرسة. كما أن عبد الكريم توفيق لم يتسلل عبر طرق أخرى للاحتفاظ بمكانته. أقصد هنا أنه لم يركب موجة الشعارات والأغاني الوطنية التي راجت لبعض الوقت ليحوز مكانة لدى أصحاب السلطة. كان واثقاً من موهبته والمدرسة التي ينتمي إليها ومن إمكاناته الصوتية التي تمكنه من التسلل الى القلوب. ولم يخبْ حدسه بقدر ما خاب ظنه في الحكومات التي جاءت على أسنة الرماح والحروب والارتهان للخارج !!

ربطتني بالفقيد الفنان عبد الكريم توفيق علاقة صداقة، وذكريات. كان ولا يزال أولها الإعجاب بفنه وغنائه، وتعززت واستمرت في أكثر من مكان وزمان، في السلطة وخارجها، في عدن، دمشق والقاهرة. وهي صداقة تدل على معدنه الأصيل ونقائه وروحه الانسانية الجميلة.. عادة ينفر الأصدقاء، إن كانوا فعلاً كذلك، من الحاكم بمجرد أن يخرج من السلطة، أما عبد الكريم توفيق وأمثاله فقد كانوا أنموذجاً آخر نادراً، لكنه ليس مستحيلاً...

رحم الله فقيدنا الغالي عبد الكريم توفيق وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه وجمهوره ومحبيه الصبر والسلوان.