الرئيس علي ناصر محمد يكتب.. رحيل المناضل القومي محسن ابراهيم

توفي الصديق والرفيق محسن ابراهيم عن عمر يناهز 85 عاماً والذي أسهم بشكل أساسي منذ شبابه في تشكيل حركة القوميين العرب، كما أسهم في المعارك القومية الكبرى في مصر والجزائر وكذلك حرب التحرير في اليمن الجنوبي.. 
أول ما تعرفت إليه كان عن طريق كتاباته في مجلة (الحرية) اللبنانية التي كانت تعبر عن حركة القوميين العرب وفكرها وقياداتها، وكانت عبارة عن مادة تثقيفية لأعضاء الحركة في اليمن والوطن العربي.. كما تابعنا نشاطه القومي في تلك المرحلة التي كانت تمر بها الأمة العربية في مواجهة الاستعمار وقواعده العسكرية ومواجهة الأحلاف في المنطقة، كحلف بغداد وغيره، وكانت الحركة في توجهها أقرب الى فكر مصر عبد الناصر مما أكسبها سمعة طيبة في المنطقة العربية بعد خلاف عبد الناصر مع البعث، بل إن هذا الخلاف قد أثر على مكانة حزب البعث وانتشاره الواسع في المنطقة العربية، والذي رفع شعار: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، والوحدة والحرية والاشتراكية.. ولكن دعم بعض قياداته لانفصال سورية عن مصر قد أساء إلى البعث وأثر على مكانته القومية لصالح حركة القوميين العرب والحركة الناصرية.. وقد عكس الخلاف الناصري البعثي بتأثيره على علاقاتنا كقوميين مع حزب البعث وفروعه في اليمن والمنطقة العربية.. من هنا تطورت علاقات الحركة بقيادة جورج حبش وهاني الهندي ومحسن ابراهيم بالزعيم عبد الناصر.. 
أتذكر أنهم كانوا يجرون لقاءات دورية مع عبد الناصر كما أكد لي بعد ذلك سامي شرف، سكرتير مكتب الرئيس جمال عبد الناصر، وعندما بدأ الخلاف منتصف عام 1966م بين الجبهة القومية وجبهة التحرير طلب الرئيس جمال عبد الناصر قيادة الحركة، جورج حبش وهاني الهندي ومحسن ابراهيم، من القاهرة، وكلّفهم بالسفر الى اليمن لإقناع قيادة الجبهة القومية بما سمي حينها بعملية الدمج بين منظمة التحرير والجبهة القومية والتي انبثق عنها جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل.. 
وقد حاول الوفد إقناع قيادات الجبهة القومية بعملية الدمج ولكنهم لم يقتنعوا إلا بعد عقد مؤتمر للجبهة القومية للبت في هذا الموضوع.. ثم نُظمت تظاهرات موجهة لخلق جو ضاغط على قيادة الجبهة القومية لقبول فكرة الدمج وتوجهت المظاهرة إلى فندق "الأخوة" بتعز الذي يطل من "تبة" على مدينة تعز، والذي كان ينزل فيه جورج حبش ومحسن ابراهيم وهاني الهندي وحاول المتظاهرون اقتحام باب الفندق الذي أغلق في وجه المتظاهرين من جبهة التحرير وغيرهم. وعلّق حينها محسن ابراهيم مازحاً وهو يشاهد المظاهرة وهي تزحف نحو الفندق "إنها أول مظاهرة يشاهدها ولا يشارك فيها..".
وبعد ذلك انتقل الوفد الى المخا بدعوة من الوكيل عزت سليمان، مدير المخابرات المصرية، وحضرتُ اللقاء الى جانب سيف الضالعي وأحمد صالح الشاعر، وارتفعت درجة الحرارة والرطوبة التي بلغت درجة عالية، وأخذ العرق يتصبب من وجه السيد عزت سليمان، وتبلل قميصه الأبيض. وعندما نظرت إلى جورج وهاني ومحسن وجدتهم مبللين بالعرق أيضاً. وبعد أن صعب التوصل إلى اتفاق، وأخفق كل طرف في إقناع الآخر بوجهة نظره كان علينا أن نغادر (الخيمة) التي نصبت خصيصاً لهذا اللقاء والغداء.. وأن نعود إلى تعز وغادر عزت سليمان الى مصر ووفد الحركة الى القاهرة وبيروت..
وبعد ذلك التقيت معه في القاهرة عام 1967م، وكان حينها ينزل في فندق عمر الخيام، وحدثني أنه جاء الى مصر ومعه محضر لقيادة البعث، وعندما كان يتناول الافطار في الحديقة، شاهد ظلاً في الشاليه وتوجه الى الشاليه ولم يجد أحداً، ولكن لم يجد المحضر.. وفي لقائه مع عبد الناصر قال له: فخامة الرئيس.. لقد أحضرت لكم محضراً لبعض قيادات البعث في دمشق وبيروت، ولكنه اختفى.. وأضاف ساخراً: نأمل أنكم قد اطلعتم عليه.. 
ابتسم عبد الناصر ولم يعلّق..
ولم تنقطع اتصالاتنا بمحسن ابراهيم بعد ذلك في عدن والقاهرة ودمشق. وكان آخر لقاء لنا معه في بيروت بحضور المناضل عباس زكي..
لكن حركة القوميين العرب انفرطت لأسباب كثيرة منها الحرب الشرسة التي تعرضت لها من خصومها في الداخل والخارج، وتحول قادتها الى اليسار، وصعود تيارات الإسلام السياسي في الوطن العربي، وفي الأخير شاخت مثلما شاخ قادتها ومؤسسوها ولم تستطع ضخ دماء جديدة الى فكر الحركة أو قيادات شابة تحمل راية القومية العربية.