الى السيد جمال بن عمر، . . .مع التحية

تابعت مثل غيري من المعنيين بالأزمة اليمنية وما صنعته من تداعيات مؤلمة وكارثية، تابعت ما كتبه السيد جمال بن عمر المبعوث الأممي السابق إلى اليمن في مجلة "نيوز ويك" ألأمريكية تحت عنوان "ماذا بعد عودة الدبلوماسية في اليمن؟" والذي تعرض فيهها للموقف الأمريكي الأخير الداعي إلى العودة للمسار السياسي لمعالجة الأزمة في اليمن مستعرضا العديد من التفاصيل المتعلقة بهذه الأزمة والحرب الدائرة في اليمن منذ آخر الأيام لتواجده في اليمن.
والحقيقة أن الكثير من القضايا التي تناولها السيد بن عمر في مقالته تستحق التوقف والمناقشة، بدءً بحديثه عن تقاسم السلطة، وتناوله لما أسماه بــ"التدمير الوحشي لإحدى أقدم المدن في العالم"، مرورا بحديثه عن "عملية تفاوضية تضمن مقعدًا لكل طرف في الصراع"، وانتهاء بمقاربته عن الحلول والمنهاجيات المقترحة التي يجب أن تأخذ بالاعتبار جماعة الحوثيين الذين كما قال "مهما كان الدور الذي لعبوه قمعيًا ومثيرًا للشجب، إلا إنهم ما زالوا أقوياء"
كل هذه القضايا وقضايا أخرى مما ورد في مقالة السيد بن عمر تستحق التوقف لكننا لن نتناولها هنا، حيث يستدعي مثل هذا التناول مساحة أوسع من الحيز والزمن، لكن أهم ما بدا في مقالة السيد بن عمر يمكن تلخيصه في إن المبعوثين الأممين لا يتعاملون مع القضايا التي يكلفون بمعالجتها من منطلق الحق والقانون والمشروعية السياسية، ولا من منطلق الخلفيات التاريخية وعلاقات السبب والنتيجة، بل من منطلق اللحظة الراهنة المقطوعة عن الماضي والمستقبل وعن بقية التفاعلات السابقة والمحتملة، ومن ثم فإن الأقوى (في لحظة التناول والمعالجة) هو من ينبغي أن تؤخذ مصالحة ومطالبه بالحسبان عند اتخاذ القرارات الدولية أو حتى عند صياغة التقارير أو تقديم الإفادات أمام المنظمة الدلية، حتى وإن كان الدور الذي يلعبه " قمعيًا ومثيرًا للشجب".
ليس هذا ما وددت مناقشته في هذا المقام، بل إن ما لفت نظري هو ما تضمنه حديث السيد بن عمر عن القضية الجنوبية والوضع في الجنوب وهو يستعرض التداعيات التي نجمت عن الحرب من خلال قوله "ولا يمكن تجاهل فئة جديدة من أمراء الحرب والجماعات المسلحة ، بما في ذلك الانفصاليون الذين تمولهم الإمارات في الجنوب ، والذين ظهروا خلال هذه الحرب" . . . إلى آخر النص.
وقبل مناقشة هذه الفقرة القليلة الكلمات ذات الأغلاط (وربما المغالطات) الكثيرة لا بد من القول، إن السيد بن عمر قد حظي بإعجاب وتقدير الكثير من اليمنيين في الشمال والجنوب، وهو يخوض معركته في سبيل التقريب بين "الإخوة الأعداء" لكن النتيجة التي وصل إليها بعد كل هذا الجهد الطويل والمضني والممل، كانت مخيبة للآمال، وتمثلت في ما وصلت إليه الأحوال في اليمن اليوم، ربما ليس بسبب تقصيره أو عجزه، لكن بسبب إنه لم يستطع اكتشاف نوع الساسة الذين يتعامل معهم، والذين يمكن تلخيص ثقافتهم بأنها تنطلق من مبدأ التقية، وهو يعني إمكانية بل وأحقية قول شيء وفعل نقيضه، وعندما يتم إبرام المواثيق والمعاهدات والتعاملات مع هذا النوع من الساسة على أساس هذه القاعدة الخرقاء فإنها لن تنتج إلا الويلات والمآسي والخرائب والحرائق، وهذا بالضبط ما جرى لليمن بعيد مخرجات ما أسموه "مؤتمر الحوار الوطني" التي ملأ الساسة اليمنيون الدنيا ضجيجا وتغزلاً بها لكنهم نكثوا بها بعد أول أسبوع لإعلانها، ولن نستغرق كثيرا في تبرير الحرب التي أعلنتها دول التحالف العربي ضد الجماعة الحوثية، فلهذا حديث يتشعب ويطول، لكن هذه الحرب لم تكن عدوانا ولم تستهدف " التدمير الوحشي لإحدى أقدم المدن في العالم".
وبالعودة إلى الفقرة المتعلقة بالجنوبيين الذين وصفهم السيد بن عمر بــ"الانفصاليون الذين تمولهم الإمارات في الجنوب" يمكن التعرض للنقاط التالية:
• أورد السيد بن عمر حديثه عن الجنوب في إطار الحديث عمن أسماهم بـ" أمراء الحرب" ولا أدري هل كان يعي ويعني ما كتب أم إنها غلطة غير مقصودة، لكن ما يجب إيضاحه هنا هو إن من أسماهم بالانفصاليين الذين تمولهم الإمارات، ليسوا أمراء حرب أولا، لأنهم لم يلجأوا إلى المواجهة المسلحة إلا بعد أن اجتاحت محافظاتهم جحافل "التحالف الانقلابي" الذي تعرض له الرئيس الشرعي لليمن عبد ربه منصور هادي، حينما كان السيد بن عمر ما يزال في صنعاء، وإن الجنوبيين لم يحملوا السلاح رغبة في التسلية أو اللعب أو الاستثمار في الحرب كما يفعل غيرهم، لكنهم كانوا مضظرين لخوض هذه الحرب اضطراراً دفاعاً عن أهلهم ومدنهم ومنشآتهم وتاريخهم، إن السيد بن عمر وكما قلت يأخذ ظاهرة وجود مسلحين جنوبيين بمعزل عن الخلفيات التاريخية والسياسية لهذه الظاهرة، ووصف القوات المسلحة التي نشأت في الجنوب بـ"أمراء الحرب" فيه أخطاء قانونية واعتبارية ومعرفية، خصوصا إذا ما علمنا أن كل الوحدات العسكرية في الجنوب، تم تأسيسها بقرارات رئاسية من قبل الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي وتعتبر جزءً من البنية العسكرية في اليمن المتنازع عليه.
• إن من أسماهم السيد بن عمر بـ"الانفصاليين الذين تمولهم الإمارات"، هم ورثة تاريخ يمتد إلى ما قبل قرن من الزمان عندما دشن الآباء والأجداد مقاومتهم للاستعمار الأجنبي، حتى نالوا استقلالهم وبنوا دولتهم كاملة السيادة على أرض الجنوب، وهي الدولة دخلت في وحدة طوعية مع شقيقتها اليمنية (الشمالية) لكن هذه الوحدة الطوعية لم تدم أربع سنوات حتى ثبت فشلها واستعيض عن الطوعية بالغزو المسلح للجنوب واحتلال أرضه وتدمير ما تبقى من معالم دولته، لكن بدا واضحا أن السيد بن عمر يستمد مفردات خطابه من قنوات ومصادر جماعة الاجتياح والاحتلال، الذين يصنفون الشعب الجنوبي على إنه "مجموعة من الانفصاليين" وإن هؤلاء الانفصاليين "مدعومون من الإمارات" وعندما قارنت هذا النص بما تقوله قنوات الجزيرة وسهيل وصنعاء والمسيرة وبلقيس، وجمعيها أجهزة تخدم الإخوان المسلمين والحوثيين، لم أجد فرقا بين حديث هذه القنوات وبين حديث السيد بن عمر، فقد قام معاليه بعزل القضية الجنوبية عن مسبباتها وخلفياتها وتعقيداتها التاريخية، وأسماها بـ"الانفصاليين المدعومين من الإمارات"، وكأن "الانفصالية" إصابة عارضة، يمكن تناميها بالعدوى أو علاجها بالمسكنات، وليست قضية وطن ودولة وأرض وشعب وهوية وتاريخ، ولولا ضيق الحيز لكنا أوضحنا للسيد بن عمر مسيرة المقاومة السلمية الجنوبية لاحتلال الأشقاء للجنوب منذ 1994م لكن من الواضح أن السيد بن عمر، لا يستمع إلا إلى وسائل إعلام غزاة 1994م ولا يتلقف إلا مفرداتهم، بل إنه قد نسي حتى ما شهدته قاعات مؤتمر حوار صنعاء، من محاججات ومناقشات، وكواليس واختلافات أدت إلى انسحاب ممثلي "مؤتمر شعب الجنوب" وهو المكون الجنوبي الوحيد الذي شارك في المؤتمر باسم الجنوب، من بين عدد من المكونات ينضوي تحت لوائها ملايين الجنوبيين، بل لقد نسي النقاط العشرين المتعلقة بالقضية الجنوبية التي دارت حولها نقاشات حامية الوطيس وصدرت ببعضها قرارات جمهورية لم ينفذ منها حرفاً واحداً.
• ولعلم السيد بن عمر، فإن قضية الجنوب التي يدافع عنها من أسماهم بـ"الانفصاليين المدعومين من الإمارات" لم تنشأ مع الحرب ولم تكن من تداعياتها، بل إن عمرها كان ربع قرن عند إعلان عاصفة الحزم، وقد قدم الجنوبيون في الاحتجاجات السلمية أكثر من عشرة آلاف شهيد سقطوا برصاص قوات أمن النظام الذي اجتاح الجنوب في 1994م، كل هذا جرى على مدى ربع قرن حينما كانت كل الدول العربية حريصة على دعم نظام علي عبد الله صالح وحلفائه، من حيث إنه نظامٌ "شرعي"، ولإن كانت دولة الإمارات العربية المتحدة ومعها المملكة العربية السعودية الشقيقتين قد قدمتا الدعم اللوجستي للمقاومة الجنوبية الوطنية في مواجهة الغزو الغاشم في 2015م، وهو أمر يستحق الثناء والتقدير والعرفان، فإن الدولتين الشقيقتين لم تصنعا ثورةً رافضةً للاحتلال والاستباحة، وبطبيعة الحال لم تحرضا الشعب الجنوبي للمطالبة باستعادة دولته، لإن ذكرى هذه الدولة مغروسة عميقا في الذاكرة التاريخية للجنوبيين، ولا يمكن أن يقتلعها أو يعيد زراعتها أحد صديقا كان أم غريماً، ومن هنا فإن قضية الجنوب والقوى المعبرة عنها ممن سماهم السيد بن عمر بـ"الجماعات المسلحة" و"الانفصاليين" لم "تظهر خلال الحرب" بل هي امتداد لصراع طويل من أجل الحق والحرية والانعتاق من تبعات الاحتلال الممتد إلى ما قبل ما يقارب ثلاثة عقود، ولو أخذ السيد بن عمر هذه الحقيقة بعين الاعتبار أثناء وجوده في اليمن لكان سجل موقفاً مختلفاً عما نسمعه منه اليوم.
وأخيراً إننا لا ننتظر من السيد بن عمر إحداث تغيير جدي في صيرورة العملية السياسية في اليمن، ولا أن يسهم في تغيير موقف القوى الفاعلة في إعادة مسار السلام وإحقاق الحق لأصحابه وردع المعتدي عن عدوانه، من خلال تقديم حلول منصفة للقضايا المعقدة ومنها القضية الجنوبية، فهو لم يفعل هذا حينما كان منغمسا في الشأن اليمني، لكننا كنا نتوقع منه وقد تحرر من القيود البروتوكولية والالتزامات الوظيفية، أن يقدمَ رؤية أكثر تعمقا وأقل سطحيةً وابتساراً وأكثر دقة وأكثر إنصافا للجنوبيين الذين لم يطلبوا المعجزات، ولم ينشدوا سوى استعادة دولتهم، في إطار عملية سياسية تفضي إلى العودة إلى نظام الدولتين في الشمال والجنوب، تماماً كما كانتا قبل "الوحدة الفاشلة" في العام 1990م، والانتقال من علاقة "المحتل وصاحب الأرض الواقعة تحت الاحتلال"، إلى علاقة الجوار الندِّي والشراكة والتعاون والسلام والتنمية والتطلع إلى مستقبل مشترك بين جارين متعايشين ومتعاونين يرعى كرامة وآدمية الإنسان في الشمال والجنوب وعلى السواء.
مع صادق التحيات المقرونة بالود والاحترام.

مقالات الكاتب

الإخوان . . . والإرهاب

بغض النظر عن رضانا أو عدم رضانا عن تنظيم الإخوان المسلمين فإن اتساع مساحة الدول والمنظمات التي لا تن...