الزفرة الأخيرة!

يقال أنّ طائر البجع يتنهد تنهيدته الأخيرة أغنيةً حزينةً يختم بها حياته ، ويودّع بها عالَمه . ولقد كانت حياة المؤرخ الكبير محمد حسين الفرح تنهيدةً طويلةً تناثرت دقائقُ ضوئها بين سطور الكتب والمخطوطات ، وتطاير عبيرُ رذاذها ليرسم أبطالاً ، وينقش بطولاتٍ أوْحَتْ بها قراءاته التاريخية المتعددة وأبحاثه العلمية الدقيقة. 

 

في أيامه الأخيرة ، ومثل بطلٍ أسطوري ، جعل من التنهيدة زفرةً  تشتعل بالضوء كشهابٍ خاطف يشُقّ بضوئه عتمة الفضاءات .. بينما نحن نرقب بأملٍ راجف أن تطول رحلةُ الضوء قبل أن ينطفئ الشهاب المشتعل! كنا نرقب بالأمل أن تطول المسافة ، ونتمنى بالوهم أن تدوم رحلة الشهاب المندفع! ووحده محمد الفرح كان يعرف ميعاد النهاية وتوقيت الرحلة! 

لذلك ، فإنه حزم شعث روحه ، وشحَذها بالعزم ، وحوّل التنهيدة الطويلة إلى زفرة ، ودقائق الضوء إلى شهاب ..

فعل ذلك بصمتِ جمرةٍ ، وإصرارِ عزيمة. كان الرجل يضيء فحسب! 

أكمل معظم مشروعاته البحثية المؤجلة ، وتمّتْ طباعتها ، ولعله وقد سعد بذلك ، قد أسعد بها كثيراً من دارسيه ومحبيه. 


في سنته الأخيرة ، ورغم المرض ، أنجز الكثير ، وكانت حيويته دافقة ، وسرعة بديهته حاضرة ، وبدا عود جسده دقيقاً رقيقاً ، بينما وقدةُ الضوء في داخل الجسد تزداد اشتعالاً  واحتراقاً .. وكان يمشي بيننا ، ويجلس إلينا عارفاً بنهاية الاشتعال القريبة وانطفاءة الضوء المتوعّدة!

 

سوف تطول أحزاننا على المؤرخ الكبير ، ليس لغيابه فحسب ، بل لأن أحداً لن يملأ الفراغ الذي تركه في مجاله واهتمامه .. وإذا حاول أحدٌ فالأرجح انه لن يملك حماس الفرح وعشقه لتاريخ اليمن ، .. وإنِ امتلك الحماس والعشق فإنه لن يمتلك تلك الذاكرة المتوقدة بالأسماء والتواريخ والأرقام والأماكن والشواهد!  وإن زاد أحدهم فامتلك ذلك ، فمن أين له صبر ذلك القلب ، وشجاعة تلك الروح وصراحة ذاك اللسان ، وتحدّي ذلك الجسد. 

أمّا ما تصعُبُ مجاراته فيه ، فيتجلّى ذلك في صِفتين : 

عزّة نفسه ، واعتزازه بوطنه حضارةً وإنسانا – وقد خبرت ذلك عن تجربة ، وتأمّلته عن قرب – وهاتان الصفتان هما عنوان هذه الشخصية ، وبوابة عالمها الكبير . ولقد كانت ساعته الأخيرة مشرقةً بسناء هذه العزة وقوّة ذلك الاعتزاز : مات واقفاً! وغادر وحيداً بين أولاده ، لم يتصل بأحد ، كأنه كان على موعدٍ مع انطفاءته الأخيرة!

لكنه كان في كامل توهّجه ويقظته! 

وكانت يقظة فؤاده تلك من يقظة تلك الظهيرة الأخيرة التي رفرفت روحه محلقة في سمائها ، وبعناد ليس مستغرباً على من عرفه ، أصرّ أن تكون آخر ومضات روحه في بيته وبين أولاده ، .. ومضى مضيئاً مُشعّاً تماماً كتلك الظهيرة التي غادرنا على متن شُعاعها المسافر .

في يوم وداعه الحزين المهيب ، وبعد أن تمّت مواراة جثمانه الثرى ، عُدت إلى " بيت الثقافة " كي أشهد محاضرة في " تاريخ الوشائج " بين اليمن والشام لمحاضرٍ كبير قدِمَ من جامعة حلب في سوريا ، وضمن فعاليات الأيام الثقافية السورية في صنعاء ، وللمفارقة المحزنة ، كان من المفترض أن يكون المقدِّم والمعقّب – بحسب البرنامج الموضوع والمطبوع – هو ذلك الفتى الذي واريناه الثرى قبل دقائق باكية ولتوّنا! 

وبعد أن وقف الجميع لقراءة الفاتحة ، وبدأ المحاضر وانتهى ، تحوّلَتْ أحزاني إلى كآبةٍ واجمة ، فقد اكتشفت وأنا أرقب الجمع أن أحداً لم يعلّق أو ينبس بكلمة أو فكرة على كلام المحاضر الذي أتى بالشواهد الأثرية المؤكدة وبالصور المؤكدة للخط المْسند اليمني القديم كان قد عُثر عليها في الحدود السورية اللبنانية في الفترة القريبة الماضية ، وهي تؤكد قدم العلاقة الحضارية بين اليمن والشام قبل الإسلام بآلاف السنين .. وكان هذا ديدن الأستاذ المؤرخ محمد الفرح ، اهتماماً ، وبحثاً ، .. وولهاً! الحضارة الفينيقية غصنٌ ضخم من شجرة سبأ الهائلة! 

 

في تلك اللحظة شعرتُ بهول فاجعة غياب المؤرخ الكبير أكثر من أي وقت! وطلبتُ الإذن من المحاضر ، لا لأعلق على استنتاجاته المتطابقة مع رؤية واستنتاجات المؤرخ الفرح ، بل لكي أشير إلى نقطتين :

أوّلها : الفراغ المفزع الذي نتج عن غياب الراحل الكبير .

وثانيها : إبداء الأسف لعدم وجود أكاديميين يمنيين في القاعة كي يسمعوا هذا الأكاديمي العتيد القادم من جامعة حلب وهو يؤكد استخلاصات ونتائج وأبحاث الأستاذ الفرح رحمة الله عليه


ماذا يبقى من محمد الفرح؟

يبقى محمد الفرح مكتملاً بفتوحاته العلمية ، مزدهياً باكتشافاته البحثية ، منتشياً بأبطال شعبه ، وبطولات أمّته .. عشرات الكتب والمخطوطات والتي يقارب وزن أوراقها ، ربما وزن جسده النحيل النبيل! 

لم يكتب بحبر سُهده وحُمّى أرَقهِ فحسب ، بل كتب بماء قلبه ، وحُمْرة دمه ، وبأس عظامه ، وعناد أصابعه. 

يبقى محمد الفرح ، فَرَحاً عذباً ودائماً للأجيال العطشى الباحثة عن اليمن وأدواره التاريخية والحضارية وعظائم أقياله وتبابعته وأبطاله ..

يبقى محمد الفرح الباحث عن الحقيقة التي غيّبها أئمّة الظلام! 

يبقى محمد الفرح قَيْلاً لهذا الزمان! 

 يبقى محمد حسين الفرح ذروة ً من ذرى هذه البلاد ، خلوداً في كل وقت ، وإطلالةً بهيّةً في كل قلب .