كلمة إنصاف بحق هذا الرجُل

صلاح السلقدي

يعيش على عفافه وكفافه، قابعاً هناك لا حراك  في منزل متواضع في صنعاء، يمضغ ألم مرضه بصمت, يقتات معناته دون شكوى أو نجوى لأحد، كصورة جلية من صور العصامية والاعتداد بالنفس والاعتزاز بالذات إلى أبعد الحدود... عن المناضل الوطني والقيادي الاشتراكي المعروف "محمد غالب أحمد" أتحدث.. الرجُــل الذي كان بوسعه أن ينتفض على شظف عيشه، ويتمرد على عوَز الحياة وقسوتها التي يعيشها، ويلتحق عوضاً عن ذلك بإحدى العواصم الثرية كما فعل اليوم كثيرون \ ومنهم رفاق دربه وحزبه\ إلّا أنْ قناعاته الوطنية المخلصة -التي لا يختلف عليها أثنان ممن عرفوه- وتوجهاته السياسية- التي يجب أن تُــحترم بكل الأحوال – أبتْ إلّا أن تهزمه وتحشره في مكانٍ قصيٍّ, وفي أضيق زوايا العناء والنسيان والتنكُّــر بعد أن تخلى عنه رفاق دربه من أثرياء اليوم و أعرضَ عنه كل محبوه – أو لنقل بعضهم - وأداروا له ظهورهم عقابا له وجزاءً على كبرياء نفسه وعِــزتها، وأضحى نتيجة ذلك محاصراً من كل جهات المعاناة ,ومن واقعٍ لا يجيد قراءته أو فهمه – أو هكذا نعتقد- واقع أصبح فيه كل من يتمسك بمواقفه الوطنية وبقناعاته الشخصية نكرةً ومنبوذاً, أو كالقابض على الجمر في أحسن الأحوال.. مشدوها ومذهولاً مما يراه من هذا الخضم المتلاطم بالتقلبات والقفزات من ضفة مصلحة شخصية إلى أخرى أكثر دسومة ورغدا ،واقع أصبح فيه تغيير المواقف أيسر من تغيير جلباب و أسهل من خلع جورب, واقع تُـزدهر في تجارة القيم والمبادئ كازدهار تجارة الافيون والسلع، لا مكان فيه للشرفاء والأنقياء.

   لا نتوسل للرجُــل العطف من أحد ولا الشفقة من مخلوق بقدر ما نسجّــل هنا كلمة إنصاف يجب أن تُــقال بحقهِ وبحق مَــن هُم على نهجه وثباته وسجيته في هذا الوطن المنكوب بعاهات المتاجرين بالأوطان وبالقيم والمبادئ نسجلها هنا لنكسر قاعدة العويل وسيل المديح والإشادة بإثر رجعي كما تعودنا أن تسجلها كلما فقدنا صديقا أو رفيقا ينتقل الى العالم الآخر.

 رجُــلٌ لا يمتلك من حُطام الدنيا غير منزله الصغير المهدد بالمصادرة في عدن، ولا يحوز من رصيد بنكي غير رصيد سمعة طيبة، وبنكنوت سيرة نضاله المشرفة، سيرة لم تشبها شائبة المنّ أو طلب مقابل كما يفعل الكثيرون- في هذا الزمن الرخو-،أو جعل منها  يوماً وسيلة للتكسب الشخصي أو التزلف على عتبات حكام الأمس واليوم، في وقت لن تترد فيه  عتبة حكام  أو بلاط سلطان من أن تفتح له خزائنها وتشرّع له أذرعها كما فعلت وتفعل مع منهم أدنى منه نضالا ومواقف ومكانة ،لكنه أبى أن يكون ماسح جوخ أو مصغراً لأكتافه أمام أحد, كما يفعل اليوم نظرائه في عواصم العرب والعجم، أبى إلّا أن يكون كما هو: محمد غالب أحمد، وكفى.!