الإنطواء ليس حلا (الحلقة الأولى)ارتسامات من رحلة خاطفة إلى إثيوبيا

بينما أنا أتصفح موقع فيسبوك وجدت عددا من الزملاء والأصدقاء ينعون باحثة مغربية فارقت الحياة قبل يوم واحد. لم يسبق لي أن التقيت بالسيدة فتيحة الداودي قيد حياتها، لكن ما أثار انتباهي حيالها هو أنها كرست جزءا من حياتها الأكاديمية لدراسة التعقيدات العائلية والنفسية الناجمة عن إغلاق الحدود البرية بين المغرب والجزائر منذ عقود.
يرجع الإغلاق الرسمي لهذه الحدود التي وضعها المستعمر الفرنسي، إلى أواخر عام 1975، عقب اندلاع الصراع حول إقليم الصحراء. ومنذ  ذلك الزمن جرى فتحها مرة واحدة بين عامي 1989 و1994، لتشكل تلك السنوات قوسا قصيرا في عمر شعب واحد وعريق، مقسم بين بلدين.
قبل أيام وجدت نفسي بالصدفة جالسا على مائدة قريبة من الرئيس الاريتري أسياس أفورقي ورئيس وزراء إثيوبيا أبيْ أحمد، خلال تجمع جماهيري حاشد في إحدى القاعات الضخمة في أديس أبابا.
كان الآلاف من الاثيوبيين يهتفون باسم أفورقي، حتى كاد يخيل إليَّ  أنه بطل قومي اثيوبي أو شخص يرغب الحاضرون في توليته مقاليد أمور بلادهم.
ظل أفورقي (72 عاما) ينظر إلى ذلك الحشد وملامح وجهه توحي بالدهشة والتعجب من هذا الفيض الدافق من مشاعر المحبة التي عبر عنها الجمهور. وبين الفينة والأخرى كان يلتفت إلى أبي أحمد ويتبادل معه الابتسامات وكلمات لا يمكن إلا أن تتعلق بشيء اسمه العرفان.
كانت المنصة التي نجلس فيها تطل على باحة القاعة، وبجانبنا تحلق العشرات من رجالات السياسة والمال والدين والقبائل والدبلوماسية والجيش والأمن حول موائد كانت تعد هؤلاء المحظوظين بما لذ من الطعام والشراب.
فجأة قام المصور المرافق لي من مقعده، وحمل علم اريتريا بعد أن أخذت منه حماسة الموقف مأخذها.
لكن، ألهذا الحد يتعلق الاثيوبيون بمحبة الاريتريين؟.
قبل ثلاثة أسابيع فحسب، لم يكن يظن أي مواطن في أديس أبابا أو غيرها من مدن اثيوبيا وأريافها، أنه بوسعه التعبير علنا عن دعمه أو تعاطفه مع اريتريا أو رئيسها. فغالبية الاثيوبيين الذين يتجاوز عددهم 105 ملايين نسمة، إما تضرروا من الحرب الضروس التي خاضتها قوات بلدهم ضد جيش إريتريا بين عامي 1998 و2000، أو سمعوا حكايات عن فظاعاتها. وكلهم يعلمون بعشرات الآلاف من الأشخاص الذين سقطوا قتلى في معارك عبثية على مناطق حدودية متنازع عليها بين البلدين، نتيجة لغموض التقسيم الترابي الناجم عن انفصال إريتريا عام 1993 ، عقب استفتاء شعبي أجري في هذا الاقليم الاثيوبي السابق.
كانت قاعة الميلينيوم (Millenium Hall) الضخمة في أديس أبابا تهتز بايقاعات موسيقى فولكلورية قدمتها فرق وفنانون اثيوبيون متنوعون. وفجأة علا الحماس كل الحاضرين حين صعد المغني الاثيوبي العالمي محمود أحمد المنصة. قال في كلمة مختصرة انه تحدى المرض وثقل السنين ليأتي مرحبا بالرئيس أفورقي. ثم انطلق مؤديا بعضا من أغانيه الشهيرة باللغة الأمهرية. الكاميرا التي كانت تنقل اللقطات فورا عبر شاشات ضخمة، ركزت على وجه أفورقي. عيناه كاد الدمع أن يسيل منهما.
الفنان محمود أحمد كان من معارضي نظام منغيستو هيلي مريم العسكري الذي استولى على السلطة عام 1974 عقب قلب نظام الامبراطور هيلي سيلاسي، وظل ممسكا بها بقبضة من حديد ونار الى عام 1991. في الماضي كان المغني محمود، والسياسي العسكري أسياس أفورقي وعدد كبير من المواطنين الاثيوبيين،  يقفون في جبهة الرفض والمعارضة خارج البلاد. كان افورقي يقود (الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا)، وظل ينسق مع حركات إثيوبية معارضة لتنحية الطغمة العسكرية والأمنية  DERG التي تفردت بحكم البلاد بين عامي  1974 و 1987.
في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي بدأت سطوة هذه الطغمة تتفكك عقب اعتماد الاتحاد السوفيتي سياسة الاصلاح والشفافية  (البريسترويكا والغلاسنوست) إثر وصول ميخائيل غورباتشيف إلى قيادة مجلس السوفييت الأعلى. وبسرعة سرت موجة ارتدادية في الأحزاب والانظمة المرتبطة بالاتحاد السوفيتي، ومن ضمنها المجلس العسكري والامني الحاكم في اثيوبيا بقيادة هيلي مريم.
خلال سنوات الكفاح السياسي والمسلح، أقام أفورقي علاقات تنسيق وتعاون وثيقة مع أطياف مختلفة من الحركات المدنية والعسكرية الاثيوبية المعارضة. وكان البعض من الاثيويين يعتبرونه أحد الرموز التحررية، أكثر منه شابا يرغب في فصل إقليم اريتريا عن اثيوبيا.
لعل هذه الذكريات كانت حاضرة أثناء الحفل الجماهيري، في ذهن الرئيس الاريتري وعدد من رفاق الكفاح في عقدي السبعينيات والثمانينيات. مثلما تظل ذكريات القمع حاضرة كلما ذكرت بعض الأسماء.
خلال الحفل توقفت الفرق الموسيقية عن الغناء ، لينطلق أحد الأشخاص في تعداد اسماء شخصيات سياسية وازنة. كانت الوجوه تظهرة مكبرة على الشاشات، وقد علت الابتسامات على تقاسيم أصحابها. ظهر سياسيون حزبيون، ورئيس سابق، ووزراء مروا من الحكومة، ومثقفون، ورئيس أمن العاصمة. وكان الحمهور يستقبلهم بصيحات التمجيد والمباركة. ثم ظهر وجه أحد النواب البرلمانيين. فعج فضاء الميلينيوم بالصفير والزعيق.
إنه أحد المقربين من رئيس الوزراء السابق مليس زناوي. ولهذا الرجل قصة مفصلية في تاريخ اثيوبيا المعاصر ...  
يتبع

مقالات الكاتب

وتلك الأيام نداولها

انتابني شعور صامت بالحزن وأنا أقترب من طائرة فخمة كانت رابضة بالمطار وتحيط بها رائحة الدخان. شجعني...

الحقد في زمن الكورونا

بدأ  في وسائط التواصل الاجتماعي ما يشبه تيارا يبرر التخلي عن كبار السن المصابين بفيروس كورونا،...