الأمر بحاجة إلى بطل

يؤكد محمد عبدالسلام على حسابه الرسمي أن مسألة مأرب  هي حرب وطنية كبرى، وأنهم سيواصلون "المواجهة" هناك حتى تحرير كل شبر. 

سيحصلون على مقاتلين جدد بثمن خيط جزمة، وكلما هلك قبيلي سيأتون بآخر. المرتزقة ليس جنودا، وغالبا ليس متعوبا عليهم، لا موتهم هدر، ولا فناؤهم معضلة. هم بشر غير مرئيين، مهمتهم حمل السلاح، وهناك وفرة منهم. ثمة جوع في شمال اليمن، الجوع هو سلاح السلاليين المدمر، فهو يجعل الرجال مرتزقة جيدين. يغرف الحوثي، كما فعل أجداده، من بحر الجوع. باليمني الجائع، كما لاحظت شيلاغ في بحثها عن السياسة في جبال اليمن، يقاتل الإماميون اليمني الغاضب.

على الجهة الأخرى يسأل اليمني نفسه ماذا لو أن هادي أعلن، في سبتمبر 2014، المواجهة دفاعا عن صنعاء عندما كان كل شيء لا يزال ممكنا. يؤكد الحوثيون مرارا، وهذا ما سيدونونه فيما بعد، أن هادي ووزير دفاعه آنذاك أحيطوا علما بنوايا الحوثيين من الحوثيين أنفسهم. 

حدثت الفضيحة التي ستلون اليمنيين إلى الأبد.

مأرب صغيرة الحجم، محافظة طرفية، ومجتمع في الهامش، ولكنها ستصنع التاريخ إن تشبثت بدور البطل. عادة ما يكون الأبطال هامشيين. هي نموذج لبطل شعبي قرر أن يقول لا وهو يرى كل الاحتمالات المخيفة أمامه، ثم شيئا فشيئا أخذت الناس تغني معه. يحدث بعد ذلك أن يؤخذ الناس بتلك البطولة فيحاكونها أو يلتحقون بها. 

قلت العام الماضي في مثل هذه الأيام إن الحرب وصلت إلى عاقبتها وتأكدت دولة الحوثي بصورة نهائية بسبب غياب البطل. ذلك أنها معركة  تفتقر إلى البعد الحاسم في الصراعات الوجودية: الإشراق، الفروسية، البطولة، الاستثنائية. 

لبست مأرب درع البطل، ويبدو أنها جديرة به. لا يتعلق الأمر بسحق المرتزقة في منطقة مجهولة من العالم اسمها الكسارة، بل بما هو فوق وطني في تلك المعركة. قدم رشاد السامعي رسما مثيرا للمعركة: مأرب محاطة بأحرف المسند، وأمامها سيارة حوثية غارقة في الرمال. 
إن فكرة الأقيال واحدة من أكثر آليات المقاومة ابتكارا وجاذبية. 

البطل لا يلهم وحسب، بل يغير المصائر. المحاولات التي قدمتها حجور قبل عامين كانت محكومة بالفشل، قرى صغيرة معزولة عن كل عمق، محاطة بالمرتزقة والسلاليين من كل صوب. أحيط بالمعركة جدل تقليدي: الإصلاحيون، العفاشيون، فقدت تلك الثورة الصغيرة معناها قبل أن تفقد حياتها. الرواية المأربية تتوافر على شروط أخرى. 

سيواصل الحوثيون الضغط على مأرب ليس لأنها مهمة كأرض، بل من أجل هزيمة البطل. إنها عملية بربرية تصبو لدفن فكرة البطل إلى الأبد قبل تدشين حقبة "سلام إيرلو"، الخضوع التام مع ضمان مستوى ما من الخير العام.

أشركوا كل شيخ وقرية في تلك الحرب، وإذا عادوا بالهزيمة فسيعودون بها إلى كل شيخ وكل قرية. إن مثل هذا الانكسار ليس بلا عواقب، أن يدرك الخاضعون أن  "الرب" قابل للهزيمة، وأن يروا تلك الهزيمة في سياق بطولي مهيب، أن يروها رأي العين. 

يتعاطف العربي مع المنتصر ويؤسطره. سيحاول الحوثيون تجنب الوصول إلى هذا المأزق من خلال الأفواج الجائعة، بالدسيسة، سيهاجمون على أن أمل أن يخرج الحمقى في الضفة الأخرى بأنشودتهم الشهيرة: هذه حرب الإخوان، هذه خيانة العفافيش. ما تجنب اليمنيون هذه الأنشودة القاتلة فإن البطل سيبقى على قيد الحياة.

لا أزال على كامل القناعة أن التحرير بحاجة إلى بطل، وأن مهمته الجوهرية ستكون في كشط ملامح روبن هوود الزائفة عن جبين أبو علي الحاكم وتقديمه داخل حقيقته: محارب لا ينتصر إلا بالخديعة. 

لمأرب الدور كله، دور البطولة الذي ما من أحد جدير به.

م.غ.

مقالات الكاتب

حرب بين الحروب

"لن نسمح بتهديد تفوقنا العسكري في المنطقة"، قال مسؤول عسكري إسرائيلي. يلتقي البلدان، إسرائيل وسوريا،...

كيف مات زكريا الشامي ؟!!

الكهان كثيرون، والحقيقة في مكان آخر. شكر رواد تويتر سلاح الجو السعودي، وعلى فيس بوك جرت أحاديث عن تص...

عن طارق والمعركة

من الصعب الدفاع عن موقف طارق عفاش، الآن وأمس. غير أنه من الممكن فهم موقفه والتعاطف معه.  يمل...