من وحي المقهى(سيدة من جيل مايو 68)

قبل بضعة أسابيع كنت في شارع الشانزيليزي استعد لرسالة مباشرة، فإذا بسيدة في اواسط الستينيات من العمر تدنو مني سائلة عن اسم المحطة التي أعمل فيها. كان يبدو من عينيها أنها تريد أن تتكلم، أن تبوح بشيء ما. اعتذرت لها لأن موعد "اللايڤ" كان قد اقترب، فانصرفت شاكرة. لكنها سرعان ما عادت بعد ان انتهيت من من المباشر.

بادرت بالحديث عن الرئيس ايمانويل ماكرون، وكيف "خاب" آملها فيه. سأعرف أن هذه السيدة عملت بهمة ونشاط في الحملة الانتخابية التي أوصلت في اواسط عام 2017 هذا الشاب "الطارئ على المشهد السياسي" إلى قصر الاليزي.

كان الرهان كبيرا على ماكرون الذي جاء بخطاب جديد، ورؤية مختلفة عن سابقيه.

كنت قد تابعت عن قرب تحركاته ابان الشوط الأول من الحملة الانتخابية في مدن فرنسية عدة. كنت أميل في قرارة نفسي إلى جون لوك ميلانشون زعيم تيار "فرنسا التي لا تستسلم"، لكن خطاب ماكرون كان أكثر جاذبية. فهو  أول رئيس فرنسي تربى وترعرع في زمن الكمبيوتر والانترنت، خلافا لسابقيه الذين اعوجّت أصابع أيديهم نتيجة لحمل أقلام الحبر ونظيرتها الجافة. وهو شاب لديه اطلاع واسع على أمور الاقتصاد والمال التي تسلق سلاليمها أثناء الصعود الصاروخي لنجمه.

لكن خطاب الحملات الانتخابية شيء، وممارسة الحكم شيء ثان.

لم يكن يدري هذا الشاب أن أسوار الايليزي ستطوقه بمصالح متضاربة للقوى التي ساعدته في الوصول الى ما وصل اليه. ربما لا يدري جيدا أن القرارات ليست فقط أوامر رئاسية أو توقيعات في وثائق رسمية.

تقول السيدة التي قصدتني في شارع الشانزيليزي إن حماسها لماكرون لم ينفعها في تدفئة عظامها خلال هذا الشتاء القارس. لقد وجدت نفسها وحيدة بعد أن مات زوجها.

توقفتُ للحظة أتساءل بيني وبين نفسي كم من امرأة ومن رجل بلغ أرذل العمر، ولا يحتاج سوى لمن ينصت إليه.

ستقول لي انها لم ترزق بالذرية، وأن زوجها قد مات منذ بضع سنين.

وضعت يدها على حاملة الكاميرا (tripod) وقالت بافتخار : أنا ممن خرجوا في مظاهرات الطلاب خلال مايو عام 1968. نحن من أجبرنا شارل ديغول على الانصات لجيل ما بعد حرب التحرير. لقد شكرناه على خدماته البطولية. لكن وقته كان قد أزف.

كانت السيدة تلمح إلى الفترة التي قاد فيها ديغول من بريطانيا قوات فرنسا الحرة التي كانت تحارب الغزو النازي لبلادها، وتقاتل حكومة ڤيشي العميلة لها بقيادة الماريشال فليپ پيتان.

شتان ما بين ديغول وماكرون. هكذا قال لي گِيّوم، الشاب الفرنسي الذي عمل مع أمس السبت مصورا للمظاهرة العاشرة لحركة السترات الصفر.

أخبرني گيوم بأن عمه الذي مات قبل سنوات، حاصل على (وسام رفقاء الحرب)، وهو من أعلى الأوسمة التي منحت لمن قدموا خدمات ساعدت في استعادة فرنسا الاستعمارية لحريتها من الاحتلال الألماني بقيادة أدولف هتلر.

لقد مات عم غيوم وحيدا في بيته، وخلال فترة الشتاء، بعد أن هاجر أبناؤه الى خارج فرنسا.

فرنسا لم تعد تقدم لنا ذلك المشروع المجتمعي الذي نعيش حوله، لم يعد لدينا مبدعون ولا فلاسفة ومفكرون وروائيون كما كان الأمر في ستينيات القرن الفائت، يقول غيوم.

أسترجع حديث السيدة المتقاعدة في شارع الشانزيليزي، وهي تقول: لقد خذلني ماكرون. لقد تبدد حلم شباب 68.

صباح اليوم اتصلت بصديق قديم لي يسكن في بلدة قرب باريس، فقال الكلام ذاته: فرنسا لم تعد تغري. 

أرد عليه: فرنسا ليست وحدها في ذلك. بريطانيا لم تعد تغري.

ثم أضيف في خاطري، أمريكا لم تعد تغري.

من يعيشون في بلداننا الأصلية يقولون الشيء ذاته: لا شيء يغري بالاستمرار في العيش هنا!.

عالمنا في مرحلة انتقالية لم تفرز بعد القيادات ذات الكاريزما الحقيقية القادرة على الأخذ بزمام الامور. أم يا ترى لم نعد بحاجة لمن يقودنا؟