مقال ل ماجد الداعري: هكذا منحتني الأقدار فرصة قتل الرئيس.. وهكذا فكرت!

في حوالي منتصف العام ٢٠٠٦ م زار الرئيس اليمني الراحل على عبدالله صالح، عدن، وقرر صباح ثالث ايام زيارته تقريبا، القيام بجولة تفقدية مفاجئة كعادته أحيانا، لمعسكر عمليات شعبة اتصالات المنطقة العسكرية الجنوبية بمنطقة فتح التواهي، حيث كان يجري يومها تدشين العمل بمنظومة اتصالات عسكرية حديثة داخل المعسكر الواقع أسفل مستشفى باصهيب وفي منطقة تشرف على البحر ومعسكر البحرية مباشرة.


كنت يومها قد اضطريت للانتقال والسكن في ذلك المعسكر ،كضيف مقيم، عند أحد أقاربي من الضباط المحترمين عند الجميع ،وبقيت فيه طيلة آخر عامين من دراستي الجامعية للصحافة والاعلام بجامعة عدن، اقاسم العسكر مأكلهم ومشربهم بكل محبة وتقدير واحترام.


وشاءت الأقدار يومها، أن أنام ذات صباح ملتهب بالحر وأن اواصل نومي إلى قرابة العاشرة صباحا، ولا اذهب الى دراستي الجامعية ومتابعة مشروع تخرجي كعادتي، وحسب تقديراتي عمي أيضا الذي كان يظنني قد استيقظت يومها بعده مباشرة وذهبت إلى الدراسة.


وعند قرابة العاشرة والنصف صباحا، صحيت فجأة من نومي، على أصوات ضوضاء بباب الغرفة الصغيرة التي كنت انام فيها مع عمي الضابط، والتي تبدو لمن لا يعرفها وكأنها مخزن مهجور في يمين أول بوابة مدخل رئيسي لسكن الجنود ومنتسبي المعسكر.


وقبل ان اكمل نهضتي من فراشي، رأيت من خلف زجاج الغرفة الشبه عاكس، عسكر في أتم جاهزية قتالية ممكنة، بل وايديهم على الزناد، ينتشرون حول المكان وامام النافذة ومدخل العمارة على غير العادة وفي موقف مرعب ومثير للاستغراب،


استغربت كثيرا من الأمر ودارت في عقلي، بسرعة البرق، أفكار وخيالات وتصورات كثيرة لأمر قد يكون حدث فجأة وغير كل الأمور من حولي.


وماهي الا ثوان قليلة، الا وانا أرى أمامي تماما وفي واجهة النافذة مباشرة الرئيس علي عبدالله صالح ومن حوله بعض المسؤولين ومحافظ عدن يومها على ما اظن احمد الكحلاني وقائد المنطقة العسكرية الجنوبية وآخرين لا اعرفهم او اتذكر أسمائهم وملامح وجوهم.


مسحت عيني جيدا.. وتأملت أمامي بكل تركيز ممكن والشمس وحرارة الجو في اشدهما، حتى تيقنت جيدا أن من أمامي هو فعلا الرئيس بشحمه ولحمة وليس حلما.


وضعت راسي بهدوء تام على مخدة نومي وانا احاول اقناع نفسي أنني في حلم ومازلت اغط في سبات نوم عميق وقلت لنفسي:معقول هذا الرئيس أمامي حقيقة الآن.. وسلاح الكلاشنكوف امامي ومسدس عمي تحت مخدة سرير نومه بجانبي ويمكنني سحبه بكل هداوة وبمجرد مد يدي إليه .. وكيف غفل جنود حمايته الشخصية عن وجودي هنا بقربه.. وأين هي الإجراءات الأمنية الاحترازية والتدقيق الأمني المشدد، المعروف عند أي زيارات للرئيس أو قيامه باي تحركات ميدانية وهو الذي اضطر لنشر قوام عدة ألوية بحالها على المرتفعات وجانبي الطريق وصولا للمباني والمنازل المحيطة بوجوده الأول في محافظة الضالع كما اتذكر يومها وانا أشاهد بعيني يومها كيف عسكر الضالع يومها ومع هذا لم يسلم من محاولة اغتيال بتفجير عبوة ناسفة بعد مرور موكبه بلحظات..


تذكرت كل هذه التفاصيل وعلى عجالة من أمري وانا احاول اقناع نفسي بأن الاقدار قد تكون ساقته إلى بتدبير متآمرين حوله او بتقدير الهي، وإلا وكيف غفلت حراساته الخاصة، المعروفة بيقظتها الأمنية- عن وجود انفصالي حد النخاع من النوع النكدان البغران الطفشان الطفران الساكن بمعسكر- نائم مع سلاح ناري جوارهم وبالغرفة الملاصقة لأجساد بعضهم.. وهل يعقل أن يكون القدر وحده فعلا من ساق روحه هدية إلي لتخليص البلد من شخص طالما تصورته وصور لنا إعلاميا على انه دكتاتور ظالم متجبر متغطرس، سرق مقدرات وطن بأكمله، وصادر منا كجنوبيين حتى مجرد احلامنا وامنياتنا بمستقبل افضل ونيل وظيفة عمل، وإمكانية لدراسة جامعة كما هو حالي ووضعي الشخصي حينها، لولا تعاون عسكر جيش دولته المسمى يومها بالجيش العائلي.


لحظات ثقيلة جدا مررت فيها، وأنا احاول تصوير نفسي بالنائم تارة، بينما كنت ادعوا الله ان ينتهي الموقف على خير تارة أخرى، وان لا يدرك مرافقيه العسكر او يتنبهوا لوجودي خلف الجدار الذي يتكئون عليه بأجسادهم حول الرئيس، لإدراكي الفطن، بتبعات ما سيحدث لعمي حينها من نتائج لا يمكنني قبولها او تقبلها له جزاء معروفه معي، خاصة أنني قد كنت يومها في بداية عملي الصحفي وسبق أن نشرت مقالات عدة في أكثر من صحيفة وموقع تنتقد صالح ونظامه، بتهور صحفي طموح مبتدئ يحلم ببلوغ المجد والشهرة من أوسع أبوابهما وبأقرب فرصة.


أزحت اللحاف على وجهي مجددا بكل هدوء، لعلي اطمئن ان الموقف قد انتهى، غير ان المفاجأة كانت أكبر.


فالرئيس ومن معه، قد اقتربوا مني أكثر هربا من الحر ووهج الشمس الحارقة، بحثا عن ظل بوابة المبنى الذي لا يفصلني فيه واياهم، الا مجرد باب متآكل يمكن لأبسط مرافق لفخامته ان يقلعه بأول ركلة او يدخل واياه معا إلى غرفة منامي العسكري.


وهنا زادت مخاوفي أكثر، وكثرة الأسئلة في دماغي بشكل أكبر، خاصة وإنني لم أرى ولا أحدا من قيادة وضباط وجنود المعسكر مع من تمكنت من رؤيتهم خلسة حول الرئيس، كونهم كانوا جميعا حينها ومع العقيد السياني قائد معسكر الشعبة المحترم جدا، وبقية ضباط وجنود المعسكر، محتجزين جميعا حينها، كما علمت فيما بعد، وذلك من قبل حراسات الرئيس التي حشرتهم جميعا في هنجر استراحة المعسكر، من قبل وصوله وحتى مغادرته ومن معه.


تساءلت مجددا في قرارة نفسي بعد ان فشلت محاولاتي بالعودة إلى وضع النائم ولو تخيلا او افتراضا :هل يعقل أن هناك من يحاول توريطي بموقف كهذا ليبرروا الصاق اي تهمة بحقي ومخارجتي من الحياة، حتى قبل ان اكمل حلمي بنيل شهادة بكالوريوس الصحافة والاعلام؟ غير ام هاجس شيطاني آخر سرعان ما تدخل ويجيب عليه بقوله :ومن حضرتك يارجل، حتى يتآمر عليك رئيس الجمهورية بكله.. اسكت لك وارجع ارقد احسن لك واعتبر نفسك ميت او خارج الجاهزية العقلية وانهض لهم وكأنك لا تعرف عن أمرهم شيئا لو حصل ان علموا بوجودك، أو دهفوا الباب وعثروا عليك، واترك الباقي على ربك.


ليقاطعه تفكير شيطاني ثالث: لماذا لا تكون أقداره هي كم قادته إليك لتخلص اليمن من شره وتجبره وغطرسته، وتقتله لتخلد ذكراك أيها الطفشان جوعا في الحياة، في سفر التاريخ الخالد، بأنك من خلص شعبه اليمني من ظلم وديكتاتوريته وأنانية حاكم ظالم ابتلع خيرات ومقدرات بلده ونهب خيرات وثروات دولة جنوبية رائدة بالمنطقة، كان بإمكانها ان تمنحك على الاقل، منحة خارجية لدراسة الإعلام في بلد أوربي او أي دولة سوفيتية تود، لولا انقلابه السلطوي الاناني الجشع على رفاقه الجنوبيين في تحقيق حلم الوحدة المغدورة؟.


وامام هول كل هذه السيناريوهات المرعبة المتصارعة في مخيلتي والتي ارسمها في عقلي وانا اسمع صوت الرئيس يطن في اذني بجشأته ولهجته الصنعانية المعروفة وهو يتحدث لمن حوله، أمام باب غرفتي، عن ضرورة إزالة المباني القديمة المهجورة التي يراها بمواجهته داخل المعسكر "وبناء مبنى محترم ولائج ليكون كمجر  عمل ومسكن للضباط والعاملين في منظومة الاتصالات العسكرية وهانئ بالجهة الأخرى يمكن إزالة هذه المباني واستبدالها بسكن لجنود وضباط معسكر شعبة العمليات والاتصالات وتحويل هذه الباجية كمخازن"، لكني علمت فيما بعد ان المبنى المقصود ليس كمقر لمنظومة عمليات الاتصالات العسكرية، وإنما قصرا متعدد المهام يشرف على ميناء البحرية مباشرة وأعتقد لم ينفذ إلى اليوم ، وخلافا لبناء سكن لمنتسبي العسكر وبعض المرافق الأخرى .


وبين أفكاري المضاربة مع بعضها ولحظات الوقت الكئيب الذي مر ثقيلا متثائبا، بدأ الصوت ينسحب رويدا رويدا من مسمعي، بينما وانا احاول تتبع سماع أي صوت يوحي إلي بجديد الموقف قبل ان اغامر بالعودة مجددا لاختلاس النظر من النافذة، لأرى ماكنت احلم فيه من تحرك الرئيس ومن حوله فعليا نحو بوابة المعسكر، وبانسحاب جنود حراساته من قبله ومن بعده وهم يحيطون به ولا اظن أحدا منهم علم بوجودي او بأن هناك من كان بإمكانه قتل الرئيس ببساطة من حولهم، ورغم كل انتشارهم الأمني في محيط المعسكر وأماكن تواجد الرئيس وتحركاته بداخله.


تنفست الصعداء بعدها، وشكرت الله في قرارة نفسي وحمدته كثيرا على انتهاء الموقف على خير وزوال أقسى الكوابيس الحقيقية في حياتي دون تطوره إلى أي سيناريو من تلك التي رسمتها، وحينها واصلت نومتي إلى أن عاد عمي مرتبكا لا يقاضي لتناول الغداء وهو غير مستوعب ولا مصدق بوجودي في الغرفة  وانني لم اذهب للدراسة كالعادة، وبدأ يستفسرني بارتباك شديد، هل علمت بمن زار المعسكر اليوم وأنت نائم وكأنك ميت ولا عندك حس او علم..


حاولت تمثيل المشهد عليه وانا افرك بيدي عيني لطرد ما تبقى من آثار النوم، ورديت عليه مستغربا: خير وايش حصل ومن هذا الذي زاركم وايش دخلي انا يا عمي بالأمر وانت من سبق وطلبت مني تجنب الخوض بأي أمور او نشاطات تخص الشأن العسكري داخل المعسكر، كوني مدني ومجرد طالب اجبرته الظروف على الإقامة في معسكر للتمكن من مواصلة دراسته الجامعية".