الظاهرة غير العاقلة.. في حادث شيرين أبو عاقلة!

شيرين أبو عاقلة صحفية فلسطينية مسيحية ناصرت القضية الفلسطينية بتقريراتها الصحفية  في قناة الجزيرة، وفعلت ما لم يفعله ألف رجل، وشكل حادث اغتيالها صدمة لكل أحرار العالم؛ وبدلا من استثمار هذا الحادث في التأليب على العدو الصهيوني إذ بنا -كالمعتاد- نفاجأ بغليان وسائل التواصل الاجتماعي جراء المعارك الكلامية بين مجيز للترحم عليها ومانع.

وانحرفت بوصلة التركيز على بشاعة الحادث إلى التركيز على فتاوى الترحم على غير المسلم، وهذا هو ما نعنيه بالظاهرة غير العاقلة؛ إذ المفترض أن يخرج العدة من حالة الجدل البيزنطي إلى مربع الفعل والتأثير الإعلامي باتجاه الضغط على العدو الصهيوني الذي يداهم الأراضي الفلسطينية في هذه الأثناء.

إنها ليست الحالة الوحيدة التي تعبر عن التيه الثقافي والفقهي لدى كثير من الدعاة ومنتسبي العلوم الشرعية.

ما المقترح للتعامل مع هذه الظاهرة؟!
يبدأ العلاج بتصور الفرق بين مقام الفتيا ومقام الاحتساب الدعوي؛ فإذا كان مقام الفتيا يفرض عليك أن تراعي حال المستفتي فمقام الاحتساب الدعوي أشد حراجة وأكثر تأثيرا في مراعاة مآل الكلام مع جمهور المتلقين، لأن مقام الفتيا يخص السائل وحده-ومع ذلك ينبغي مراعاته- بينما مقام الاحتساب الدعوي ينبغي مراعاة جميع أصناف الناس.

وقد أفتى ابن عباس في تكفير قاتل النفس عمدا مراعاة لحال السائل الذي كان متلبسا بحالة الاستعداد للقتل ليكفه عن الشر، خلافا لمشهور فتواه بعدم تكفير القاتل!
فلكل مقام فتوى تخصه.. بينما نجد في جانب الاحتساب الدعوي النهي عن سب آلهة المشركين لئلا يسبوا الله عدوا بغير علم.

مرة أخرى.. لسنا مطالبين بالتبرع بفتاوى لم تطلب منا على وسائل التواصل الاجتماعي حول حكم الترحم على غير المسلم، حتى وإن طلب منا ذلك فلا بد من مراعاة الحال والمآل في الفتوى، وإلا دخلنا في فوضى الفتيا وحراجة الاحتساب الدعوي.

لست معنيا في هذا المنشور بنقاش جواز الترحم من عدمه، بقدر ما يعنينا جميعا ترشيد هذه الظاهرة وتقليل تداعياتها السيئة كلما مات أحد عظماء العمل الإنساني من غير المسلمين.

قد يقال بأن هذا يتعارض مع قاعدة وجوب البيان عند الحاجة؛ وقد يضل الناس باعتقاد جواز الترحم، والجواب بأن مراعاة هذه القاعدة يخضع لمعيار الموازنة بين المصلحة والمفسدة، كونها تتعلق بالشأن العام وتوجيه الجمهور وحشدهم لصالح الحق من عدمه، فحيثما كان الحق فثم شرع الله تعالى.