غاب محافظ أبين .. فبدت أبين حزينة

انور الصوفي

ما كل من غاب يُفتقد، فعندما تغيب النجوم لا يفتقدها أحد، ولكن في الليلة الظلماء يفتقد البدر، وعندما تغيب الرجال تهتز لهم القلوب، وتمتلئ الأرض بذكرهم، وتحن لعودتهم حتى ذرات الرمال.


اليوم مررت بزنجبار، ونظرت في تقسيمات وجهها، فوجدتها حزينة، كئيبة، مشيت من مدخلها الشرقي حتى وصلت إلى قصر السمة، فلم أجد سمة النشاط، والسعادة، والفرح التي كنت أقرأها أيام محافظها الذي كان يسكنها، ولا يغيب عنها طرفة عين، تفرست الوجوه فوجدتها متعبة، مهمومة، ورأيت أبين تتنازعها الجيوش، وتذكرت أيام كان أبوبكر حسين سالم يزورها شرقاً، وغرباً، وشمالاً وجنوباً، ليزرع الفرحة بين مواطني محافظته، فاغرورقت عيناي بالدموع، وأنا أرى أبين قد غدت قنبلة موقوتة قد تنفجر في وجوه المساكين، والضعفاء الذين عادوا بعودة الحياة إليها، الحياة التي غرسها محافظ أبين أبوبكر حسين سالم بيمينه، فنعم اليمين هي، ونعم الرجل هو، ونعم المسؤول كان، ومايزال.


ناديت بنظراتي في كل زقاق، وفي كل مرفق، وفي كل بستان، وفي كل جنة من جنان أبين، ناديت قائلاً: سيعود أمنك يا أبين، وستعود سعادتك، وستهرب تلك الجيوش، وسيولون الدبر، وستظلين أنت أبين محافظة السلام، محافظة البساطة، محافظة السعادة، محافظة الآمنين فيها.


سيعود بانيك، وحاميك، وسيذهب كل من جاء ليخربك، ويدمر ما بنته أيدي الرجال، سيذهبون، وستبقين أنت مليحة الزمان، والمكان، لن ينالوا منك إلا بقدر خبثهم، سينكصون، وستعودين، وستعود رجالاتك، سيعود رجل أبين، ومحافظها أبوبكر حسين سالم، فهذا الرجل همه خدمة المحافظة، ولن يفرط فيه أبناؤها، لن يخذلوه، وسيحملونه في سويداء قلوبهم، وفي حدقات عيونهم، كما حملهم، ومازالوا كذلك في سويداء قلبه، وحدقات ناظريه.


أيها المار بزنجبار، طف اليوم ببصرك في المدينة، فهل ستراها كما كنت تراها قبل تلك الحشود؟ هل هي طربة سعيدة كما كانت أيام محافظها أبوبكر حسين سالم، لا شك، ولا ريب أنها قد تغيرت ملامحها، وبدأ الشحوب يكسو وجهها الأسمر الجميل، فهي خائفة من المستقبل في ظل حملة السلاح الذين يتبارون لدكها، وتدميرها، تأمل أيها المار بالعاصمة زنجبار، هل ترى السلام على مداخلها؟ هل ترى الأمان بين أزقتها؟ 

فلقد غدت أبين اليوم مستودعاً للسلاح، وميداناً للاستعراض العسكري، ومجمعاً للقتلة، والمتعطشين للدم، فلقد ذهب محبوها، وذهب متفقدوها، فهي تحن لهم كحنين الولد لوالده، ليحميه، ويغذيه، ويؤيه.


لقد أثر غياب محافظ محافظة أبين على كل تفاصيل الحياة فيها، فعاش فيها البؤس، وحل فيها الخوف، وغادرها الأمان، وغاب زخم تلك الحياة العملية فيها، ألا ليته يعود، لتعود تلك الحياة إليها.