جيش شياه امشل

أنور الصوفي

مع نسمات صباح يوم جميل، ومع ساعاته الأولى، الحاج مفتهن يجلس كعادته على سوم جربته ليستمتع بأصوات العصافير، وروعة الجو، ورائحة الزرع التي ترد الروح، وقطرات الندى التي تتساقط من بين تلك الأغصان، ومن على تلك الأوراق، ومن بعيد يأتي مشقوم بسرعة عالية، وهو ينادي على صاحبه، ورفيق دربه مفتهن، قائلاً له: قم، قم، الناس سرحت تتعسكر، وأنت جالس على هذا السوم، قم أعطني عمرك، اليوم بانتعسكر، قالها، وهو بالكاد يرد النفس، قالها وهو يحبو ليصعد السوم ليصل لصديقه مفتهن.


مفتهن بهدوءه، ورزانته يرد عليه، أول اطلع امسوم، وبعدين اتعسكر، وأيش من عسكرة عشيت لك؟! أيش من جيش الذي بايقبلك وأنت تجر عمرك جر؟!


قال مشقوم وهو يكاد يختنق بسبب الركض، وطلوع السوم، إيييييه سعيد بوك، شفها سنة الرحمن، أهم حاجة أنك موجود، بايعسكروك، شفهم ولا عاد خلوا واحد، حتى إذا أنته أعمى، أصور، مكرسح بايعسكروك، شفها عسكرة باتروح معي، شفني قلت عيب أنني أروح وخليك، قلت عيب إني أجزعك، وعادهم بايعطونا رتبة، مفتهن يرد على صاحبه وأنته أيش بايعطوك من رتبة، وانته ولا قط اتعسكرت، ولا تعرف امرتب؟ قال: أنا شفني أشتي رتبة كبارية كما ذاك منسان، مفتهن متسائلاً: من هو ذاك منسان؟ وهمس مشقوم في أذن صاحبه مفتهن، ومفتهن يرفع صوته، وهو يقول: بالله عليك، حتى ذاك دي ما عاد إلا يسحب نفسه عسكروه، وأعطوه رتبة؟ قال مشقوم: قلت لك شفها سنة العسكرة للجميع، امكسرين، وامعميان، وامصوران، وامدواديح، وامشيوبة، كل من جاء عسكروه، أعطني عمرك تجاه ترفع اللجنة.


مفتهن وهو يضحك على كلام صاحبه مشقوم، يقول له: كيف با تتعسكر وأنت ما تعرف تصلح بريت، أي حركات عسكرية، قال مشقوم تباني رويك، قال له مفتهن، ها يا الله استعد، فاستعد مشقوم، ورفع رأسه إلى السماء، واشتط له عرق، ولا عاد قدر ينزل رأسه، ومفتهن يضحك عليه، ويقول له عادك تشتي تتعسكر، ومشقوم يقول: افحس رقبتي شفني مشبوز، أفحس على شان ألحق اللجنة، ومفتهن يقول: لطمينك أنته وهذه اللجنة دي أصورتنا بها.


قام مفتهن ودلك لصاحبه لما افتك العرق، ومشقوم يردد ها يا الله اليوم بانسجل، قال له مفتهن: عادك ما قنعت من هذه العسكرة، ورد عليه مشقوم تباني اعمل لك حركة نظامية فوق هذا امسوم، قال مفتهن، شفك باتتكسر، وماشي حولي منك، إلا ومشقوم يتحمس ويرفع صوته ترتيب يمين، يمييييين رتب، ورجع قليل إلى الخلف، وسقط على قفاه، وإن عيونه بيض، ولا عاد نخس.


نزل مفتهن وهو يردد لاصبحك، كلما جلست أشتي أرتاح جيتني وشقمت عليه اميوم، ما كذب دي سماك مشقوم، الله لا صبحك، وأخذ يدلكه، ويرش عليه الماء، ومشقوم خارب، ولا حركة.

نادى مفتهن على أولاده، وأسعفوه وبعد ساعة فاق، وحوله الدكاترة وهو يقول: هذه اللجنة؟ قال له مفتهن: أيش من لجنة عشيت عليك، قم، قم باروحك، شف والله إن الجيش هذه امسنة ضحية أمثالك، كلما جابوا واحد عسكروه، وحلجوا به الجيش، كأن قدها سنة هذا الجيش، وأيش من جيش تقول إنهم شياه امشل، كلهم نجيح، أعطني يدك باروحك تموت في بيتك أحسن لك، وإلا ما الجيش والله ما عاد حلجناه بك، يكفي الذي قدهم فيه.