بين قرن الكلاسي والشيخ سالم من سيقتل من؟

أنور الصوفي

ذرفت العيون بالدموع، وأنا أرى الإخوة يستعدون ليقتل بعضهم بعضاً، رأيت القوة على قرن الكلاسي بشقرة، وامتدادها على طول خط العرقوب، ورأيت بالمقابل لها قوة أخرى حدودها قرية الشيخ سالم، قرية المساكين التي جاءت الحرب لتشريدهم، رأيت التخندق على مشارف قرية الشيخ سالم، ورأيت قوات في العراء في العرقوب، وعلى قرن الكلاسي، ففاضت دموع العين مني حزناً على ما وصلنا إليه من طيش ونزق، وجاهلية جهلاء.

نظرت في وجوه الجنود، فوجدت تقسيمات وجوههم واحدة، فاللون واحد، والنسب واحد، والدم واحد، والهم واحد، وعدوهم واحد، ولكنهم يستعدون ليقتل بعضهم بعضاً، رأيتهم فاقشعرَّ البدن من تدافعهم على أبواب الموت، فسألت نفسي لماذا يتدافع هؤلاء الشباب إلى ساحات الموت والقتل؟ لماذا يرمون بأنفسهم إلى التهلكة؟ فجاءتني الإجابة حزينة متثاقلة، إنها الحاجة، إنه الفقر، إنه الجوع الذي دعا كل أولئك الشباب ليتدافعوا على ساحات الموت، إنها التعبئة الخاطئة.

ما بين قرن الكلاسي، والشيخ سالم توحي تلك المنطقة برائحة القتل، والدم، والجثث، تملأ المكان، فالكل يحفر قبره، والجثث لن تتسع لها القبور لو نطقت البنادق، وتحدثت الدبابات، وزمجرت الطائرات، وتقيأت المدافع على من في ذلك المكان، سيدفن الأخ أخاه، وسيشيع الجار جاره، فالأم تبكي ابنها في قرن الكلاسي، وتنعي أخاه في الشيخ سالم، والكل سيقتل الجميع في مشهد قتل جماعي للإخوة، والأقارب، والأحباب، سيقتل الجنوبيون بعضهم بعضاً لو لم يتنبه العقلاء لذلك.

جنود يفترشون الأرض، ويلتحفون السماء، ينتظرون وصول الراتب الذي لن يصل إليهم إلا لو أدلوا بدلوهم في محراب القداسة والجهاد، محراب القتل، لن يصل إليهم معاشهم لولم يلقوا بأنفسهم في مهاوي الردى، لذا جاءوا وتمترسوا بين صخور وتباب العرقوب الموحشة، وغفار، ورمال وصحارى أبين الحارقة، جاءوا ليحرقوا محافظتهم، وليزعزعوا أمن الآمنين، فالحشود متواصلة، والدعم سخي، والأسلحة متطورة.

رأيت في طريقي في هذه المنطقة العسكرية الممتدة من زنجبار حتى نهاية العرقوب، رأيت الطرقات منتهية، والحفر تفترش السبيل الموصل إلى عدن، ورأيت قنينات الماء، والشراب، وسلل الغذاء، والقات التي تُصرف للجانبين المتحفزين للقتال، رأيتها كثيرة، فلو سُخرت قيمتها لصيانة الخط، لأعادته كما كان وأحسن، ورأيت أنواع الأسلحة، فلو استغلت لبناء مساكن ومدن للمساكين لآوتهم، ولكن العقول المتعطشة للحرب تأبى ذلك.

قرأت في وجوه الجنود المساكين بؤساً، ورأيت في عيونهم طلب العذر لهم، فعيونهم تقول بلسان حالهم سامحونا، فنحن رهن الإشارة لننشر الرعب في كل مكان، ولنسفك الدماء بمجرد وصول الأمر من القادة الذي هربوا بعيداً بعيداً، وأخذوا معهم أطفالهم، ونساءهم، وتركونا هنا، وتركوكم هنا، تركونا لنقتلكم، وتركوكم هنا لتقتلونا، فالعذر تلتمسه نظراتهم الحائرة بين تباب العرقوب، ورمال أبين، فلا عذر لكم، ولا عذر لنا، فالموت قادم، والحرب قادم وقوعها قبل أن تطحن الجميع؟

مقالات الكاتب