حارة السور عمرانٌ مضيَّع!

العمرانُ القائم في كلِّ مكان، يحكي بطبيعته وقائعَ الدهور، وحكايا الإنسان، وطريقة الحياة، كما يضمّ بين جنبيه وهجٌ من التاريخ، مجسد في أعمالٍ خالدة تركها الأوائل، مضو وخلفوها وراءهم؛ لتكتشفَ أنَّ ما تُركَ لم يكن شيئًا اعتباطيًا، بل بنيان قائم على فكرة، وإبداع، مع مراعاةٍ للمكان، وخصوصية للإنسان القابع في تلكمُ الدِّيار.

"حارة السور" في مدينةِ الحديدة، واحدةٌ من أجملِ قطع التَّاريخ جمالًا وإهمالًا، قطعة تاريخية صيغت بطريقةٍ فريدة، تطلُّ على البحر من مكانٍ مرتفع قليلًا، تقابله وجهًا لوجه، ، لا شيء يحولُ دون التفاتٍ إليه، يصبِّحُ إنسانها البحر صباحًا، ويلوحُ له عندَ المساء.. لكنَّ الإهمال داهمَ المكان، وحالَ بينهما، فلم تعد تستقبلُ الشَّمس، وتحيي البحر وتودعه عندَ بوابةِ المساء!

تميز بنيانها بإتقانٍ مدهش، ونمط فريد، لا سميا المشربيات التي وضعت في جبهةِ المباني، والنقوش الكثيقة على الأبواب، والأسقف، وممراتِ المنازل، وفق بناءٍ هندسيٍّ بديع، خلقته يدُ الإنسان الذي مرَّ من هناك.

 كنتُ أمكثُ قبالة البحر، أشهدُ لحظة الغروب، فتلكَ لحظة مقدَّسة لا أنفكُّ عنها، ثم أيممُ إلىٰ مسجدٍ عتيق، في حارةِ السور، كانَ يسمى "المعلَّق" إن لم تخني الذاكرة، ولك أن تتخيل بهجة النفس من رؤية آية الغروب، والانغماس في مطهرة الروح، حيث يقفُ المسجد بشموخٍ حاملًا بين كتفيه خبر التاريخ، والأيام الخوالي.. ثم جارَ الزمن، وانقضَّ البنيان، وهُدِم المسجد العتيق، ليُبنىٰ مكانه مسجد من أسمنت لا روحَ فيه، فلا أذكرُ أني زرته مرةً أخرى!

في فجر الجمعة نقفُ مرتصين أمامَ بائع الهريسة، ثم نجلس في مقهى عتيق، كل ما حولك للتاريخ يدٌ فيه، حتىٰ الإنسان، لطالما أفرغتُ حزني هناك.. أنىٰ لمكانٍ مثل هذا أن يُترك نهبًا للزمن؟! لماذا تُرك المكان دون حماية لوجه المدينة؟! كان وجه المدينة، وتاريخها، والمكان الذي تشدّ إليه رحال الجمال؛ لو حُفظَ من العبث، والتهميش.. مساكنها تبدو كمرآةٍ تظهر عمق العلاقة الوثيقة بين العمران والإنسان!

أمضيتُ أوقاتًا عزيزة وأنا أتسكعُ في أزقتها الضيقة، أتأمل الأطلال التي خلفها التهميش الممنهج عندما أشاحوا للمدينةِ ظهورهم، قال لي متخصصٌ في العمارة والفن، أنَّ الأبنية في حارة السور في بعضِ ملامحها، تفوق جمال الأبنية في صنعاء القديمة، ثم شرعَ يحدثني عن صنوفٍ من الجمال، ووقفَ طويلًا أمام المشربيات التي تكاد تتفردُ بها حارة السور دون غيرها.. ثم أطلقَ آهة تشبه آهتي، قال لي: لم يُلق أحد لها بالًا.. تُركت عرضة للدمارِ والضياع!

في المدينةِ التي أعيشُ فيها، يوجد فيها منطقة تدعىٰ [Eski çarşı] تشبه كثيرًا حارة السور في مدينتي، غير أنها لا تطلُ على بحرٍ ممتدٍ تطلع عليه الشمس بلا ظل، ويطلع القمر والنجومُ على صفحته بلا حائل.. يأتيها النَّاس من كلِّ مكان، يتأملون فيها عظمةَ البينان، وهيبة العمران، وجلال التاريخ، وشواهد الأمس، ثم أجدني أخنقُ حسرة في داخلي كلما تذكرتُ ما طال "حارة السور" وغيرها من نسيانٍ متعمّد، وهي لعمري لا تقلُ جمالًا وجلالًا عنها..!

سلامٌ على مدينتنا، وعلى حارةِ السور العتيق، وعلى مساكنها، وحطامها الموزعِ في الأزقة، وبقايا التاريخ الرابضِ بصلابة في وجه الزمن، سلام على حوانيتها، ومقاهيها، ومسجدها الكبير، سلامٌ على مسجدِ المعلّق العتيق قبل زواله، وعلى جدرانه وأعمدته الثخينة، سلامٌ على بائعِ الهريسة، والقهوة، والفضة، والفول، والقديد، والماء الممرغ بالهيل ودخان البخور، سلامٌ على الحيمدو، صاحب أول براعة اختراع لأحد أهم أنواع الأيسكريم في المدينة، الأيسكريم الذي وقفَ في وجه القيظ عقودا من الزمن. سلامٌ عليكم في الأولين والآخرين.

#خالد_بريه

مقالات الكاتب

تهامة.. حكايةٌ ومقهىٰ!

في مدينةٍ ساحلية تتدثرُ بحرارةٍ مرتفعة، يصبحُ الهروب إلىٰ فضاءاتٍ مفتوحة أمرا لا مفرَّ منه، الخروجُ...